الاثنين، 9 فبراير 2015

حول حقيقة النهضة:

حول حقيقة النهضة:

محمد صالح البدراني – يقظة فكر
النَّهضة ليست أمنيَّة، فالأماني قد تتحقق لأنَّها تدخل في باب الرزق والرزق محفوظ، وهي ليست حلمًا، فالحلم غالبًا ما يقفز لنجاحِ الفكرة بلا تخطيط وتجاوزًا للمنطق أحياناً، وهي ليست ردّ فعل على واقعٍ ما, فغالبًا ما تكون ردود الأفعال نوعًا من المقاومة للإحباط، وردود الأفعال قد تُنتج مُخرجات لكن منظومتها تركّز العمل على التحدّيات, وتجدها غالبًا تخلو من الأهداف النابعة عن فكرٍ عميق.
والنَّهضة ليست تنميَة وإنْ كانت التنميَة هي أحد مُخرجات منظومة النَّهضة بكل تأكيد، وإنْ كان الاصطلاح على التنميَة نهضة في الغرب فلأنَّ ذلك حقَّقَ انتقالاً جوهرياًّ فعليًّا، تطلَّب ثورة على الأفكار المتخلّفة, ثم صُنع من الأقوال المتعدّدة مذاهب فكريَّة وأيدلوجياَّت سارت مرافقة للعمليَّة إلى حين أضحت تلك الأقوال غير مواكبة لحالات من الإخفاقات الداخليَّة في النظام البارز في أوروبا في العصر الحديث – ليس الغرب كالشرق الشيوعي السابق – فتنهار المنظومة بانهيار الفكرة أو تحاول أن ترتدي ثوبًا مُرقَّعًا يُعطي مظهرًا ابن وقته كنوعٍ من التمركز الجديد كما يحصل اليوم في الصين وغيرها، فنحن في عصرنا، أمام رأسماليَّة استنفدت آليّاتها وأضحى التناقض يعبّر عنه بكلمة (الكيل بمكيالين), لكن هذا التناقض محض تضارب الآليات مع النفعيَّة عند خروجها لإدارة العالم, بجوهر إمبراطوري لم يعد صالحاً مع هذا التطوّر المدني الكبير, وما أخرج المختبر العلمي من آليات تسخر لكل من يريد.
النَّهضة كما نراها كمسلمين، أو على الأقل وفق منظاري لها، إنَّها وعيٌ ليس بقراءة وتشخيص الواقع، وإنما هو كذلك مع استخراج الحلول من فكر الأمّة الذي شوّهته التقليديَّة وقصور التفكر والتزام أفكارًا منقولة؛ وهالات القدسيَّة على الأشخاص والأزياء وإخراج الإنسان من لبوسه كبشرٍ, وهو لا وحي يأتيه ولا يتفكّر برسالة.
في بحثنا عن المنقذ كما تحدَّثت مسرحية (في انتظار غودو) لصموئيل بيكت، وتتحدث عنه كثير من المعتقدات، وكأنّه شخص يأتي من الغيب ليقود بإرادة تشبه عصا موسى عليه السلام, جمعًا من الأناس المترددين الذين لا هدف لهم, وتملئهم الأوهام ويحملون نفسيَّة العبيد، ليقفز بهم إلى عالمٍ جديد.
تَمَنّي المُصلح لن يوقف الفساد، ففي عالم الفساد لا يأتي الإصلاح فجأة, بل هنالك قاعدة كونيَّة (لا يُغَيّر الله ما بقومٍ حتَّى يُغَيّروا ما بأَِنفُسهم)، إذًا المُنقذ هو مِن داخل أنفسنا, وليس خارجًا عنَّا، هو أنْ نعمل نحن ولا نقعد ليعمل من ننتظره, وهو يحتاج أن نستخرجه من النّفوس بتغييرها من نفوس تتمنى إلى نفوس ذات عزيمة تخطط للوصول،  للخروج من دهاليز مُظلمة إلى نور الأرض تحت شمس الحقيقيَّة التي نراها في واقعنا.
“الوسائل من جنسها تأتي النتائج”، وأعجب من أناسٍ يُفسدون في الأرض وهم يظنّون أنَّهم يُمَهدون لقادمٍ ليمحي الفساد، تُرى هل يُمهدون لمن يأتي ليقضي عليهم أم أنَّهم يفكّرون بالتّوبة ساعة قدومه.
لا أبحث في العقائد فلها باحثوها، ونحن لدينا واقعًا يتطلَّب إصلاحه, والعمل على إصلاحِه, عملٌ في خلافة الإنسان للأرض وذاك هو التكليف لنا، إنْ أخفقنا فنحن مخفقون، وإنْ عملنا – نجحنا أم لم ننجح, وصلنا أم تداخل معنا من يُكمل – فنحن قد أنجزنا مهمّتنا في الحياة.
فالنَّهضة إذًا هي طريق الصّلاح بإعمارِ الأرض، وهي ليست تقدّم تكنولوجي ومدني فحسب، وإنما توّسع فِكري وقيادة الحياة لتحقيق العدل، والعدل توازن في الحقوق بين الناس وتوازن في الحركة والفاعليَّة عند الإنسان الواحد قبل كل شيء، لذا لن يأتي هذا بتخصيص فتات الوقت، وإنَّما ببرمجة الحياة لنكون وسيلة النَّهضة في كل حركة وكل عمل وكل دقيقة نصحو بها ونتفاعل مع الحياة.
لا ينبغي أنْ نقرأ لنبحث عن الرضا لذاتنا، وإنما نقرأ لنضع أقدامنا على الأرض حيث التوّجه الصواب، فلا مُنقذ لنا ما لم نُنقذ أنفسنا، وحين نفعل الصّواب سنكون على دربٍ نستحق فيه التغيير المُعان من الله جل وعلا, لأننا سنكون سائرين وفق سنن الكون, عارفين إلى أين نذهب, وأي شيء سيمر بنا في الطريق.
إنَّ واقعنا يحتاج لثورة، أهلها ليسوا غوغاء تُحركهم الحاجة والغريزة، وإنما قناعة, وعزيمةٌ في النفوس أنْ تهجر الانتظار، والاستكانة التي نزعم أنها صبرًا وما هي بصبر، وإنَّما الصّبر في الثبات على العمل الصواب، والثورة في التخطيط؛ وليس الاستقطاب والتمزيق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق