الاثنين، 9 فبراير 2015

المسلمون يحبون أن يكونوا مظلومين ومستضعفيين

الشعور بالمظلومية أو العيش بحياة الضحية أحد أفات مجتمعنا وبذور هزيمتنا مع توافر الغطاء الديني لها اكتسبت نوعا من القداسة المزيفة للدرجة التي تجعل من الصعب على أن أكتب حولها ومن المستهجن عتد القارئ أن يستسيغها. فأن تستخدم عدة آيات قرآنية ترفع من قيمة المستضعفين كقوله سبحانه وتعالى في عدةا مواضع:
“وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ”  ،  “وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا”  ،  “وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”
أو أن تستحضر مجموعة حوادث تاريخية من السيرة النبوية تشير إلى انتصار المستضعفين من مسلمي مكة، أو أن تغوص أكثر في العمق التاريخي لتصل إلى قصة سيدنا موسي وبني إسرائيل وكيف أبدلهم الله بملك فرعون، وسيدنا يوسف وكيف أبدله الله بعد السجن قصرا وملكا ثم تقول بعد كل هذا الفضل والكرم من الله عز وجل هكذا يروج البعض للاستسلام بغير علم وللانهزام بغير حكمة لهو أمر صعب حقا.
لكن عزاؤنا أن كل هذا استقطاع من التاريخ واستئصال من السياق في غير مبتغاه الأصلي ولا دوره الحقيقي كدعوة للتخطيط والإعداد؛ فلم ينتصر مسلمي مكة المستضعفين بغير هجرة يليها إعداد وتنظيم وبناء صف وقوة فيقول تعالى:  “وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً”.
وكذلك لم يصبح سيدنا يوسف أمينا على خزائن الأرض بغير علم وخبرة فيقول تعالى: “َ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم ٌ” ولم ينشق البحر لموسي بغير قول الله ” إذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى  فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ” وتنفيذ ذلك من قبل سيدنا موسى وهارون ولم يتم التمكين لبني اسرائيل المستضعفين إلا بعد التيه أربعين عاما إذ تبدل الجيل غير الجيل ليصير قولهم سنذهب معك وربك نقاتل بدلا من ” فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ”.
الاستضعاف والمظلومية ليسا ثمنا للتمكين، نعم الابتلاء من مداخل الجنة إنما المظلومية بغير إعداد ولا تمتين ليست سوى بئر عميق ممتلئ بالآهات بغير بصيرة، وبالظلام بغير إبصار، حتي لو كان المظلومون بخارج البئر أو كان سطح الجب قريب إلا أنهم يصنعون تيههم بأنفسهم فلم يأمر الله المستضعفين بأن يظلوا كذلك منتظرين نصرا من عنده دون أخذ بأسباب ولم يقل للمظلومين أن يرضوا بالظلم بل أمر المستضعفين بالإعداد والفعل؛ بل واعتبر الذين لا يحاولون فعلا ظالمي أنفسهم فيقول تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً” كما أمر المظلومين بالجهاد “أذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ” وأمر كلاهما باليقين فيما عند الله ليكتسبوا الطاقة كي يعاودوا الحياة بأرواح صلبة لا أجساد بائسة تعيش دور الضحية ومرتبطة بالعمل الذي يجعلهم مستحقين لذلك الوعد: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِم أمنا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شيئا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق