الاثنين، 9 فبراير 2015

صناعة النهضة بالرجال

إن المجتمع الذي تدور فيه الأفكار والأشخاص في فلك الأشياء هو مجتمع ينحدر إلى هاية أو أنه قد انحدر بالفعل والمجتمع الذي تدور فيه الأفكار والأشياء في فلك الأشخاص هو مجتمع غير ناضج، بينما المجتمع الناهض هو المجتمع الذي يدور الأشخاص والأشياء في فلك الأفكارهكذا يفسر دكتور ماجد عرسان الكيلاني سبب ظهور صلاح الدين في كتابه القيّم “هكذا ظهر جيل صلاح الدين” ومن هذه النظرية يمكننا أن نقول أن المحور الرئيسي في العوالم الثلاثة في فلسفة مالك بن نبي هو الأشخاص وكذلك هو العنصر الرئيسي في معادلة أي نهضة  
إنسان، تراب وقت في فلسفة مالك بن نبي  |  الفئة المبدعة في فلسفة ارنولد تويني | العصبة في فلسفة بن خلدون | الرجال في فلسفة جاسم سلطان.
إذ يقول أن قوام أي نهضة هم الرجال الذين ينقلون المشروع نقلة نوعية!
وفي فلسفة عمرو بن الخطاب: إذ جلس إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنّوا ؛ فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءةٌ ذهباً أنفقه في سبيل الله. ثم قال عمر: تمنّوا، فقال رجل آخر: أتمنّى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجوهراً أنفقه في سبيل الله وأتصدق به. ثم قال: تمنّوا، فقالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر : ولكني أتمنى رجالاً مثلَ أبي عبيدة بنِ الجراح، ومعاذِ بنِ جبلٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله.
وكذلك يخبرنا التاريخ أنه ما من حضارة قامت إلا على أكتاف الرجال والرجال هنا ليس المقصود بهم مضاد الأنثى، كنوع وإنما مقصود بها الرجولة كصفة تنطبق علي النساء قبل أن تكون علي الرجال. وأسألوا نساء ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وكيف تملكوا صفات الرجولة التي أعادت المانيا إلى الصدارة مرة أخرى في 30 سنة!
والحقيقة آثرت أن يضرب المثال بنساء ألمانيا لثلاثة أسباب:
الأول: لتبيان أن صفة الرجولة تنطبق علي النساء والرجال علي السواء أي أن الجميع مطالب بأن يكون رجلاً وأن يتخذ موقفاً رجولياً في حياته!
والثاني: لتبيان أن الرجولة تفرز نتائجها في ظل أي إمكانيات وهناك الكثير من الأمثلة المتعددة التي انطلقت لتحقيق نهضة من نقطة الإمكانيات الصفرية التي انعدمت عندها أي مقومات للنهوض. بدأ بمجتمع مكة يوم ما بعث محمد رحمة للعالمين مرورا بعبد الرحمن الداخل حينما هرب من الشرق إلى الغرب وحيداً ليقيم دولة أموية في الأندلس نرى آثارها إلى يومنا هذا وصولاً إلى اليابان لحظة انفجار القنبلة النووية وألمانيا بعد الحرب العالمية إذ دُمرت كل المباني الموجودة بها وقتل الرجال وأُسر الباقي ولم يبقي سوي النساء والأطفال والعجائز.. كل هذا تحت وطأة أربع دول محتلة. الآن نحن نري موقع ألمانيا..! بإختصار يمكننا القول أن المطلوب للنهضة الرجولة اولاً .. وأخيراً.
الثالث: أن الرجولة ليست مرتبطة بطبقة معينة أو بشريحة محددة أو بدين بعينه وإنما هي كالقوانين الكونية سارية علي الجميع.
فالنهضة التي حققتها اليابان وألمانيا لم تقم علي الإسلام لكنها استلهمت قوانين القيام الكونية التي يقرها الإسلام بالفعل. لأن الله الذي خلق الكون هو الله الذي أرسى قوانينه وقوانين مجتمعاته، هو الله الذي أرسل الإسلام كذلك ليتمم به مكارم الأخلاق وليؤكد علي هذه السنن وليعطي للحضارة الإنسانية شكلاً مميزاً قائما علي العدل والإحسان.
أي أن أي مجتمع يعرف القانون سينجح كما في الطب تماما هناك قوانين كونية تحكم الأمراض وعلاقة كل داء بالدواء فأي طبيب سيأتي أو مضى يعرف القانون، يستطيع أن يعالج المريض بعيد عن كونه مسلماً أو غير ذلك.
الفارق الذي يحدث حينما تصبغ تلك الرجولة بالإسلام يكون الناتج له رؤية عالمية إنطلاقاً من”رحمة للعالمين” لذا تصبغ الحضارة الناتجة بصبغة مختلفة عن الحضارات الأخرى فنجد أننا نؤمن بصيغة الصلاح في مقابل الفساد وصيغة التعايش في مقابل سفك الدماء. في مقابلة لتعجب الملائكة حين قالت: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء.
وبالتالي فيمكننا أن نختم المقال قائلين:
أن الرجولة تصنع المشروع الشخصي الذي بدوره يكون جزءاً مكوناً للمشروع العام ويكون وازع العمل الرجولي (وهو الإسلام في ثقافتنا) هو المحدد لقيم الحضارة الناتج 

الشيوعية أول من دعمت تأسيس دولة اسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية

خلافاً لما أصبح راسخاً في أذهان أكثر العرب من أن الاتحاد السوفياتى كان مناهضاً لنشوء دولة اسرائيل ، فإن العكس هو الصحيح . ففي جلسة مجلس الأمن بتاريخ 13 تشرين الأول / أكتوبر عام 1947 م تحدث المندوب السوفياتي (( سيمون تساربكين )) فقال :
(( إن الحجج القانونية و التاريخية التي يقدمها العرب ، ليست الآن بذات شأن ، فأهميتها باطلة جداً بعد أن أقرت الأمم المتحدة قرار التقسيم … و ليس للاتحاد السوفياتي رغبة بالدخول في الجدل البيزنطي مع العرب … يكفي أن نعلم بأن اليهود عانوا و يعانون الاضطهاد ، و في طليعة المسؤوليات علينا فى الأمم المتحدة أن نضمن لليهود وطناً خاصاً بهم ، و من الظلم ألا نساعدهم على ضمان مثل هذا الوطن . و من الحق الشرعي الكامل لليهود أن يفرضوا سيادتهم على وطن فلسطين فلا يكونوا تحت رحمة العرب … إن الاتحاد السوفياتي يدعو و يؤيد و يعمل من أجل إقامة الدولة اليهودية و ضمانها )) ……
خلافاً لما أصبح راسخاً في أذهان أكثر العرب من أن الاتحاد السوفياتى كان مناهضاً لنشوء دولة اسرائيل ، فإن العكس هو الصحيح . ففي جلسة مجلس الأمن بتاريخ 13 تشرين الأول / أكتوبر عام 1947 م تحدث المندوب السوفياتي (( سيمون تساربكين )) فقال :
(( إن الحجج القانونية و التاريخية التي يقدمها العرب ، ليست الآن بذات شأن ، فأهميتها باطلة جداً بعد أن أقرت الأمم المتحدة قرار التقسيم … و ليس للاتحاد السوفياتي رغبة بالدخول في الجدل البيزنطي مع العرب … يكفي أن نعلم بأن اليهود عانوا و يعانون الاضطهاد ، و في طليعة المسؤوليات علينا فى الأمم المتحدة أن نضمن لليهود وطناً خاصاً بهم ، و من الظلم ألا نساعدهم على ضمان مثل هذا الوطن . و من الحق الشرعي الكامل لليهود أن يفرضوا سيادتهم على وطن فلسطين فلا يكونوا تحت رحمة العرب … إن الاتحاد السوفياتي يدعو و يؤيد و يعمل من أجل إقامة الدولة اليهودية و ضمانها )) ……
و في جلسة 26 تشرين الثاني / نوفمبر 1947 م أوضح (( أندريه غروميكو )) الأهداف البعيدة التي كانت ترمي اليها الدول الاشتراكية من خلال إنشاء دولة إسرائيل ، إذ قال : (( إن الاتحاد السوفياتي قد رفض الرأي القائل بإعلان استقلال فلسطين في دولة واحدة ، و أيد خلق دولة لليهود و أخرى للعرب … إن للعرب و اليهود جذوراً تاريخية قديمة و راسخة فى فلسطين ، فمن حق اليهود أن يبنوا دولة لهم هناك ، دولة ديمقراطية تكون نموذجاً للمؤمنين بالديمقراطية فى المنطقة . )) – (( المصدر : قلعجي قدري ، مناقشة اراء العلماء و السادة السوفيات ، دار الكتاب العربي / بيروت 1972 م )) ……
و في جلسة اخرى أكمل المندوب السوفياتي (( جاكوب ماليك )) ما لم يوضحه (( غروميكو )) إذ قال في جلسة الأول من تشرين الثاني / نوفمبر 1948 م : (( لا تستغربوا أيها السادة إذا وجدنا أنفسنا ذات يوم امام وضع تقوم فيه الأطراف المعنية بالأمر ، العرب و اليهود أنفسهم مدفوعين بمصالحهم الخاصة ، مصالح الجماهير التقدمية ، بالتفاوض السلمي و التعايش السلمي و الأخوة التقدمية ، و يفاجئوا العالم بالأمر الواقع … إن الاتحاد السوفياتي لن يكل عن السعي للمساعدة و التأييد بالترحيب لمثل هذا المسعى العربي اليهودي .. ))
و من أوضح ما تبينه مناقشات السوفيات و الكتلة الاشتراكية حول الهدف الأممي من تقسيم المنطقة هو ما ذكره الدكتور (( سكارلانج )) مندوب بولونيا أمام اللجنة السياسية الموقتة فى مجلس الأمن في 24 تشرين الثاني / نوفمبر 1947 م إذ قال : (( صدقوني ايها الزملاء إن انتصارنا في هذه القضية ( قضية اقامة الدولة اليهودية فى فلسطين ) سيفتح آفاقاً واسعة لنا جميعاً لنتعاون في تحرير دياركم من الاستعمار … فهنالك مصالح كثيرة مشتركة بين العرب و اليهود في النضال ضد الاستعمار على أساس المبادئ الاشتراكية .. )) و بعد ان اشاد (( بالحكمة العقائدية التي تتحلى بها القيادات اليهودية )) و عدد وجوه الحياة و المعاش التي تجمع المشاهير العربية و اليهودية على صعيد واحد ، و أكد على أن العمال و الفلاحين و المثقفين (( في كلتي الجماعتين العربية و اليهوديه )) ذوو مصلحة واحدة ، فقال : (( و إني لشديد الأمل و الإيمان بأن التعاون العقائدي سيتم بين الجماهير و نقابات العمال و الاتحادات و الهيئات الديمقراطية التحررية فإن الفوارق بين الجانبين ستزول و يعم المنطقة الإخاء بين الجماهير ))

لمادا لا نكون مثل كوريا الشمالية ونخوف أمريكا ,,أم أننا غثاء كغشاء السيل

سمعنا بالآونة الأخيرة التهديدات الكورية لأمريكا ، ما يثير في أذهاننا عدة أسئلة منها ما هو السبب الذي يخيف أمريكا من هذا البلد الصغير؟ ، وكيف تحوّلت القوة العظمى “أمريكا” التي تهدد العالم إلى دولة تتعرض للتهديد؟!، وهل هو صراع حقيقي خطير يمكن أن ينقلب إلى حرب نووية؟ أم أنه “حلاوة روح” من كوريا لابتزاز الغرب ربما لإجباره على تقديم دعم لاقتصادها المنهار؟، وهل نحن على أبواب حرب عالمية ثالثة؟ .. بجانب العديد من الأسئلة الأخرى.
بعيداً عن السياسة (فهي ليست من اختصاصنا بأي حال) لنرى معاً جانباً آخر من الصورة للتطور العلمي الذي توصلت له كوريا الشمالية وجعلها قادرة على إعادة أمريكا إلى الوراء 200 عام !!!
فالحقيقة التى تتحدث عنها مراكز الأبحاث العلمية تقول أن أمريكا والغرب يخشون كوريا الشمالية ليس بسبب امتلاكها قنابل نووية عادية فقط، بل لأنها أصبحت تمتلك قنبلة تعتبر هي الجيل الأخير والأخطر من القنابل النووية الكهرومغناطيسية:
«الوحش الآسيوي» يعتبر أخطر ما يهدد العالم اليوم؛ لأنها من الأسلحة التى لا تهاجم الضحايا من البشر بقدر ما تهاجم كل منتجات الحضارة الحالية من تكنولوجيا اتصالات ومواصلات وسلاح واقتصاد، بحيث يمكن أن يتحول الكمبيوتر بين لحظة وأخرى إلى قطعة من الحجر لا فائدة منها، ففي أقل من غمضة عين تستطيع “القنبلة الكهرومغناطيسية” أن تقذف بالحضارة والمدنية الحديثة مائتي عام إلى الوراء لتتسبب في اتلاف وتعطل كل وسائل المواصلات وأجهزة الكميبوتر والميكروويف والبنوك والشركات ومعدات السلاح والسفن الحربية وكل شيء!!.
طريقة عمل القنبلة الكهرومغناطيسية:
تتميز هذه القنبلة بأنها تعتمد على موجات كهرومغناطيسية تنطلق من خلال مولد رأس نووي وليس تفاعلاً كيميائياً كما هو الحال مع بقية القنابل، لذا فهي لا تتسبب بخسائر في الأرواح.
تعتبر القنبلة الكهرومغناطيسية أخطر ما يهدد العالم اليوم، لأنها من الأسلحة التي التى تهاجم الضحايا من مصدر يصعب رصده بدقة عالية ..
يمكن إسقاط القنبلة الكهرومغناطيسية من الصواريخ الطوافة Cruise Missile أو الطائرات بنفس التقنية المستخدمة في إسقاط القنابل التقليدية .. مثل تقنية الانزلاق الشراعي Gliding .. وتقنية GPS للتوجيه الملاحي بالأقمار الصناعية والتي عززت من كفاءتها الأنظمة التفاضلية الحديثة بعد أن كانت تفتقر إلى الدقة الفائقة Pin Point التى يعمل بها أى نظام أخر بالليزر أو الذاكرة التليفزيونية .
القدرة التأثيرية للقنبلة:
ولو أقدمت كوريا الشمالية على تفجير قنبلة نووية صغيرة نسبيا (10 كيلوطن) بين 30 و300 ميلا في الغلاف الجوي فيمكنها إرسال ما يكفي من القوة للإضرار بالإلكترونيات من الساحل إلى الساحل في الولايات المتحدة الأمريكية!
إن هذه القنبلة قادرة على شل الولايات المتحدة الأمريكية تماماً وبسرعة الضوء 299.00كيلو /ثانيه أي في أقل من غمضة عين تجعلها تعود إلى القرون ما قبل الوسطى.
تجربة توضح طريقة عمل القنبلة الكهرومغناطيسية:
هذا وتختلف الأسلحة الكهرومغناطيسية عن الأسلحة التقليدية فى ثلاث نقاط:
- فقوة دفع الأسلحة الكهرومغناطيسية تعتمد على موجات تنطلق من خلال مولد حراري أو ضوئي أو حتى نووي وليس على تفاعل كيميائي نتيجة احتراق البارود.
- والقذيفة هنا هي موجة أو شعاع ينطلق عبر هوائي “أريال” وليس رصاصة تنطلق من مدفع أو صاروخ.
- بينما تصل أقصى سرعة للقذيفة العادية 30 ألف كم/ثا .. فإن سرعة الموجة الموجهة تصل إلى 300 ألف كم/ ثا (سرعة الضوء).

المؤامرة.. حجة بالغة أم وهم فتاك تمسح فيه أمتنا كل خيباتها ؟

المؤامرات” مع صوت هامس واثق محذر أو مع صوت حازم غاضب متيقن.. هكذا تحاك تبريرات كثير من الهزائم وهكذا تورد الإبل..
الأزمة لا تكمن في انتشار القناعة بوجود مؤامرات هنا وهناك  فأحيانا ربما يكون هذا علامة وعي بأن هناك آخر وإشارة إدراك بأن هناك من هو على النقيض ويعادي الطرف الأول وهو وعي مطلوب وإدراك محمود  لكن الأزمة تكمن حقيقة في أمرين :
  • الأول: في هؤلاء الذين لا يفرقون بين المؤامرة والتخطيط.
  • الثاني: في هؤلاء الذين ينفون فكرة المؤامرة على إجمالها كأنها وهم أو محض سراب.
  أي يمكننا القول أننا بين مطرقة المؤمنين بنظرية المؤامرة على طول الخط وسندان الرافضين لها على طول الخط.
تخيلوا للحظات في كرة القدم إذ يتنافس فريقان مختلفان على لقب واحد وعليه لابد أن يفوز أحدهما.. الفريق الأول قرر أن يضع خطة محكمة مع مجموعة من التكتيكات كالهجمات المرتدة في الهجوم ومصيدة التسلل في الدفاع أما الفريق الثاني فقرر أن يلعب بلا تكتيكات سوى أنه ينتوى الفوز ولسوء تخطيطه أو قل لعدم تخطيطه، انهزم الفريق الثاني فخرج المدرب مرددا أن الفريق الأول دبر المكائد وحضر المؤامرات لكي ينهزم فريقنا الهمام بهذا الشكل وأننا لولا مؤامرات الأخر لفزنا فوزا كبيرا!
هكذا ينظر المؤمنين بنظرية المؤامرة إلى تخطيط الأخر للفوز عليهم بأنه مؤامرة بينما هو حق أصيل لكل طرف بأن يخطط كي ينتصر ويحقق أهدافه، أما هؤلاء الرافضون لها على طول الخط فكأنهم ينكرون أن الطرف الأخر يخطط ليصنع لنفسه نصرا لا يكون إلا على هزيمة الطرف الأول ويقولون أن الطرف الأول هُزم لأنه يبرر دائمة بوجود مؤامرة ولا يحضر جيدا للمباراة!
كلاهما واهم.. فالأصل أن لكل طرف الحق في تحديد أهداف لنفسه وأن يضع خططا ليحقق تلك الأهداف وقد تصل تلك الخطط إلى التخطيط للإطاحة بنظام سياسي لدولة ما أو تدمير اقتصاد أخرى أو إشعال الحروب في ثالثة.. كلها خطط تحاك ليل نهار من أقوام أدركوا أن من لا يخطط يصبح جزءا من تخطيط الآخرين فقرروا أن يخططوا لأنفسهم كي يقودوا الآخرين مستفيدين  من عدم تخطيطهم.
يمكنك الآن أن تطلق على ذلك التخطيط اسم مؤامرة.. لكن كن مدركا لكونك مقصرا في التخطيط ابتداءا، ولو شئت أطلق على ذلك التخطيط أي اسم تريد، لكن كن واعيا لحقيقة الأمر أنك أنت صاحب الفراغ وأنهم يملأون فراغ تخطيطك بخططهم.
إما أن تنفي وجود ذلك التخطيط بإطلاق فهذا محض افتراء وإما أن تسخر من هؤلاء الذين يؤمنون بالمؤامرة وحدها فلن يجعل منك منتصرا في أي أمر، انتصارك الوحيد أن تساهم في رفع وعي هؤلاء ودفعهم رغم أنوفهم لإدراك أن هناك حربا ضروسا تدور في هذا العالم تبتلع هؤلاء الذين لا يخططون وتعصف بهؤلاء الذين لا يملكون بصيرة ولا أبصار.

المسلمون يحبون أن يكونوا مظلومين ومستضعفيين

الشعور بالمظلومية أو العيش بحياة الضحية أحد أفات مجتمعنا وبذور هزيمتنا مع توافر الغطاء الديني لها اكتسبت نوعا من القداسة المزيفة للدرجة التي تجعل من الصعب على أن أكتب حولها ومن المستهجن عتد القارئ أن يستسيغها. فأن تستخدم عدة آيات قرآنية ترفع من قيمة المستضعفين كقوله سبحانه وتعالى في عدةا مواضع:
“وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ”  ،  “وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا”  ،  “وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”
أو أن تستحضر مجموعة حوادث تاريخية من السيرة النبوية تشير إلى انتصار المستضعفين من مسلمي مكة، أو أن تغوص أكثر في العمق التاريخي لتصل إلى قصة سيدنا موسي وبني إسرائيل وكيف أبدلهم الله بملك فرعون، وسيدنا يوسف وكيف أبدله الله بعد السجن قصرا وملكا ثم تقول بعد كل هذا الفضل والكرم من الله عز وجل هكذا يروج البعض للاستسلام بغير علم وللانهزام بغير حكمة لهو أمر صعب حقا.
لكن عزاؤنا أن كل هذا استقطاع من التاريخ واستئصال من السياق في غير مبتغاه الأصلي ولا دوره الحقيقي كدعوة للتخطيط والإعداد؛ فلم ينتصر مسلمي مكة المستضعفين بغير هجرة يليها إعداد وتنظيم وبناء صف وقوة فيقول تعالى:  “وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً”.
وكذلك لم يصبح سيدنا يوسف أمينا على خزائن الأرض بغير علم وخبرة فيقول تعالى: “َ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم ٌ” ولم ينشق البحر لموسي بغير قول الله ” إذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى  فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ” وتنفيذ ذلك من قبل سيدنا موسى وهارون ولم يتم التمكين لبني اسرائيل المستضعفين إلا بعد التيه أربعين عاما إذ تبدل الجيل غير الجيل ليصير قولهم سنذهب معك وربك نقاتل بدلا من ” فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ”.
الاستضعاف والمظلومية ليسا ثمنا للتمكين، نعم الابتلاء من مداخل الجنة إنما المظلومية بغير إعداد ولا تمتين ليست سوى بئر عميق ممتلئ بالآهات بغير بصيرة، وبالظلام بغير إبصار، حتي لو كان المظلومون بخارج البئر أو كان سطح الجب قريب إلا أنهم يصنعون تيههم بأنفسهم فلم يأمر الله المستضعفين بأن يظلوا كذلك منتظرين نصرا من عنده دون أخذ بأسباب ولم يقل للمظلومين أن يرضوا بالظلم بل أمر المستضعفين بالإعداد والفعل؛ بل واعتبر الذين لا يحاولون فعلا ظالمي أنفسهم فيقول تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً” كما أمر المظلومين بالجهاد “أذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ” وأمر كلاهما باليقين فيما عند الله ليكتسبوا الطاقة كي يعاودوا الحياة بأرواح صلبة لا أجساد بائسة تعيش دور الضحية ومرتبطة بالعمل الذي يجعلهم مستحقين لذلك الوعد: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِم أمنا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شيئا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”.

حول حقيقة النهضة:

حول حقيقة النهضة:

محمد صالح البدراني – يقظة فكر
النَّهضة ليست أمنيَّة، فالأماني قد تتحقق لأنَّها تدخل في باب الرزق والرزق محفوظ، وهي ليست حلمًا، فالحلم غالبًا ما يقفز لنجاحِ الفكرة بلا تخطيط وتجاوزًا للمنطق أحياناً، وهي ليست ردّ فعل على واقعٍ ما, فغالبًا ما تكون ردود الأفعال نوعًا من المقاومة للإحباط، وردود الأفعال قد تُنتج مُخرجات لكن منظومتها تركّز العمل على التحدّيات, وتجدها غالبًا تخلو من الأهداف النابعة عن فكرٍ عميق.
والنَّهضة ليست تنميَة وإنْ كانت التنميَة هي أحد مُخرجات منظومة النَّهضة بكل تأكيد، وإنْ كان الاصطلاح على التنميَة نهضة في الغرب فلأنَّ ذلك حقَّقَ انتقالاً جوهرياًّ فعليًّا، تطلَّب ثورة على الأفكار المتخلّفة, ثم صُنع من الأقوال المتعدّدة مذاهب فكريَّة وأيدلوجياَّت سارت مرافقة للعمليَّة إلى حين أضحت تلك الأقوال غير مواكبة لحالات من الإخفاقات الداخليَّة في النظام البارز في أوروبا في العصر الحديث – ليس الغرب كالشرق الشيوعي السابق – فتنهار المنظومة بانهيار الفكرة أو تحاول أن ترتدي ثوبًا مُرقَّعًا يُعطي مظهرًا ابن وقته كنوعٍ من التمركز الجديد كما يحصل اليوم في الصين وغيرها، فنحن في عصرنا، أمام رأسماليَّة استنفدت آليّاتها وأضحى التناقض يعبّر عنه بكلمة (الكيل بمكيالين), لكن هذا التناقض محض تضارب الآليات مع النفعيَّة عند خروجها لإدارة العالم, بجوهر إمبراطوري لم يعد صالحاً مع هذا التطوّر المدني الكبير, وما أخرج المختبر العلمي من آليات تسخر لكل من يريد.
النَّهضة كما نراها كمسلمين، أو على الأقل وفق منظاري لها، إنَّها وعيٌ ليس بقراءة وتشخيص الواقع، وإنما هو كذلك مع استخراج الحلول من فكر الأمّة الذي شوّهته التقليديَّة وقصور التفكر والتزام أفكارًا منقولة؛ وهالات القدسيَّة على الأشخاص والأزياء وإخراج الإنسان من لبوسه كبشرٍ, وهو لا وحي يأتيه ولا يتفكّر برسالة.
في بحثنا عن المنقذ كما تحدَّثت مسرحية (في انتظار غودو) لصموئيل بيكت، وتتحدث عنه كثير من المعتقدات، وكأنّه شخص يأتي من الغيب ليقود بإرادة تشبه عصا موسى عليه السلام, جمعًا من الأناس المترددين الذين لا هدف لهم, وتملئهم الأوهام ويحملون نفسيَّة العبيد، ليقفز بهم إلى عالمٍ جديد.
تَمَنّي المُصلح لن يوقف الفساد، ففي عالم الفساد لا يأتي الإصلاح فجأة, بل هنالك قاعدة كونيَّة (لا يُغَيّر الله ما بقومٍ حتَّى يُغَيّروا ما بأَِنفُسهم)، إذًا المُنقذ هو مِن داخل أنفسنا, وليس خارجًا عنَّا، هو أنْ نعمل نحن ولا نقعد ليعمل من ننتظره, وهو يحتاج أن نستخرجه من النّفوس بتغييرها من نفوس تتمنى إلى نفوس ذات عزيمة تخطط للوصول،  للخروج من دهاليز مُظلمة إلى نور الأرض تحت شمس الحقيقيَّة التي نراها في واقعنا.
“الوسائل من جنسها تأتي النتائج”، وأعجب من أناسٍ يُفسدون في الأرض وهم يظنّون أنَّهم يُمَهدون لقادمٍ ليمحي الفساد، تُرى هل يُمهدون لمن يأتي ليقضي عليهم أم أنَّهم يفكّرون بالتّوبة ساعة قدومه.
لا أبحث في العقائد فلها باحثوها، ونحن لدينا واقعًا يتطلَّب إصلاحه, والعمل على إصلاحِه, عملٌ في خلافة الإنسان للأرض وذاك هو التكليف لنا، إنْ أخفقنا فنحن مخفقون، وإنْ عملنا – نجحنا أم لم ننجح, وصلنا أم تداخل معنا من يُكمل – فنحن قد أنجزنا مهمّتنا في الحياة.
فالنَّهضة إذًا هي طريق الصّلاح بإعمارِ الأرض، وهي ليست تقدّم تكنولوجي ومدني فحسب، وإنما توّسع فِكري وقيادة الحياة لتحقيق العدل، والعدل توازن في الحقوق بين الناس وتوازن في الحركة والفاعليَّة عند الإنسان الواحد قبل كل شيء، لذا لن يأتي هذا بتخصيص فتات الوقت، وإنَّما ببرمجة الحياة لنكون وسيلة النَّهضة في كل حركة وكل عمل وكل دقيقة نصحو بها ونتفاعل مع الحياة.
لا ينبغي أنْ نقرأ لنبحث عن الرضا لذاتنا، وإنما نقرأ لنضع أقدامنا على الأرض حيث التوّجه الصواب، فلا مُنقذ لنا ما لم نُنقذ أنفسنا، وحين نفعل الصّواب سنكون على دربٍ نستحق فيه التغيير المُعان من الله جل وعلا, لأننا سنكون سائرين وفق سنن الكون, عارفين إلى أين نذهب, وأي شيء سيمر بنا في الطريق.
إنَّ واقعنا يحتاج لثورة، أهلها ليسوا غوغاء تُحركهم الحاجة والغريزة، وإنما قناعة, وعزيمةٌ في النفوس أنْ تهجر الانتظار، والاستكانة التي نزعم أنها صبرًا وما هي بصبر، وإنَّما الصّبر في الثبات على العمل الصواب، والثورة في التخطيط؛ وليس الاستقطاب والتمزيق.

الشرق الأوسط الجديد..دويلات طائفية وعرقية


الشرق الدموي الجديد
استراتيجية الفوضى الخلاقة ..للسيطرة على النفط ..وحماية الكيان المحتل
دويلات طائفية وعرقية

صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، نشرت اواخر العام الماضي خريطة جديدة للمنطقة تشير الى تقسيم 5 دول إلى 14 دولة، وذكرت ان خريطة الشرق الأوسط الجديد، الذي يعد المحور السياسي والاقتصادي في النظام الدولي، في حالة يرثى لها.

وركز التقسيم الذي قدمه المحلل الامريكي”روبرت رايت” الحائز على جائزة اكثر الكتب مبيعا حول العالم عبر الصحيفة، على سوريا، واشار الى ان الحرب المدمرة ،تشكل نقطة تحول تقسم البلد الى 3 دويلات “دولة علوية” تتكون من أقلية سيطرت على سورية لعقود وتسيطر على الممر الساحلي و الدويلة الثانية “ كردستان السورية” التي بإمكانها الانفصال والاندماج مع أكراد العراق في نهاية المطاف، أما الثالثة فهي الدويلة السنية التي بإمكانها الانفصال ومن ثم الاتحاد مع المحافظات في العراق.

ثمة صعوبة في التكهن ازاء تطورات الاوضاع على المدى المتوسط في المنطقة العربية ويطرح الباحث الامريكي “ نيك دانفورث “ تساؤلا يقول فيه: هل وجدت دولة الشام يوما ما؟

ليجيب عنه في تحليل مطوّل، نشرته مجلة “السياسة الدولية”، خرج في نهايته بإجابة تفيد أن المجموعات الجهادية في العراق وسوريا تحاول إحياء دولة لم توجد من قبل.

دولة الشام التي يتحدّث عنها دانفروث،هي الدولة التي يسعى إليها التنظيم الجهادي الأشهر اليوم، والذي ينشط في العراق وسوريا تحت مسمّى “الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروف اختصارا ب”داعش” يقول دانفورث، في تحليل نشرته مجلة السياسة الدولية (Forgien Policy) إنه على مدى السنوات الخمس الأخيرة حين تحولت سوريا إلى إقطاعيات متحاربة وبينما كان العراق يكافح من أجل الخروج من حربه الأهلية الكارثية، كان المراقبون الغربيون يعددون الاخفاقات الكثيرة لمعاهدة سايكس-بيكو التي بني عليها نظام الدولة في الشرق الأوسط، ويسرّبون، عبر وسائل الإعلام والشبكات العنكبوتية تقارير، تبدو في ظاهرها غير رسمية، تتحدّث عن نهاية هذه المعاهدة التي ابرمت في 1916 والتي قسّمت الولايات العثمانية في العالم العربي إلى “مناطق نفوذ” بريطانية وفرنسية، وهو ما وضع الأساس للحدود المعاصرة في المنطقة.

في تحليله لتسمية “الدولة الاسلامية في العراق والشام’”، يقول دانفورث: كل من العراق والشام هو اسم له مدلول تاريخي وسياسي، لكن من الملفت للنظر أن قيادة داعش لم تستطع ايجاد تعبير جغرافي واحد لوصف منطقة العمليات الحالية. الشام كان منذ زمن غير بعيد اسم محافظة عثمانية مقرها يوجد في دمشق، أما العراق فهو تعبير جغرافي أصبح يستعمل بشكل مستقل مع قدوم البريطانيين في عشرينات القرن الماضي.

و تدعي جماعة داعش توحيد منطقتين حتى المتنافسان الأولان في نظام الوصاية الأوروبية (بريطانيا وفرنسا) قنعا بالتعامل معهما على أنهما منفصلتان.. وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى توحد بعض القوميين العرب الأوائل للدفاع عن دولة تغطي المشرق بأكمله حيث لم تدم مساعي الملك فيصل بطل الثورة العربية وملك العراق 1920 طويلا و مصير خطط لاحقة لتوحيد العراق وسوريا و صعود حزبين بعثيين اشتراكيين وعلمانيين الى الحكم في سوريا والعراق سيوفرا أرضية للتوحيد، لكن سياسة السلطة وتعقيدات الايديولوجيا البعثية خلقت على الفور تقريبا عداء جديدا بين دمشق وبغداد. وكذلك فشلت محاولة سوريا في تجربة الوحدة مع مصر تحت راية القومية العربية.

والآن نجد أن داعش، التي تتحالف مع بعض البعثيين السنة في العراق بينما تقاتل بكل شراسة البعثيين العلويين في سوريا، ليست لها حظوظ في النجاح. عوضا عن ذلك تشير الأحداث في العراق وسوريا أن داعش جزء من مخطّط خارجي مهمته نشر فوضى الدم في المنطقة وانهاكها بغاية تهيئتها لتقسيم جديد.

يرى دانفورث أن ردة الفعل على التكتيكات المتوحشة التي اعتمدتها داعش ونجاحها السريع والمريب يكشفان محدودية تقسيم الشرق الأوسط على أسس طائفية، إذ نفر التطرف الديني لدى هذه المجموعة حتى حلفائها الأكثر راديكالية في الحرب ضد بشار الأسد وتسبب في نزوح نصف مليون عراقي من الموصل. فضلا عن ذلك، استخدم كل من السوريين والعراقيين خطابات وطنية لشجب مقاتلي داعش بوصفهم دخلاء أجانب إلى أرضهم، في حين أن الشيعة العراقيين أصبحوا الآن يميلون إلى اعتبار الجنود الإيرانيين على أراضيهم إخوة في الدين، وليس غزاة فرس.

لقد دفعت داعش الأتراك والأكراد والعراقيين والايرانيين إلى الاجماع على ضرورة هزم المجموعة الجهادية. وفي الوقت نفسه تسبب صعود داعش في تقوية أكراد العراق، ومن ذلك أن سيطرت قوات البشمركة على كركوك، وهو تحرك لم يثر ردة فعل السلطة المركزية في العراق التي تجد نفسها في هذا الظرف في حاجة إلى تعاون حكومة الاقليم الكردستاني. ونتيجة لهذه التطورات يتمتع إقليم كردستان حاليا بأوفر الحظوظ ليتم الاعتراف باستقلاله.

* القنبلة اليمنية مرشحة للانفجار

في اليمن من المرجح الوصول الى سيناريو التفتت الكبيرحيث جرى انتاج نظام حكم صمم على مدى عقود كالقنبلة واخذ موضوع التقسيم لأقاليم بعدا اخر خصوصا في جنوب البلاد حيث يذكر التقسيم الحالي بمحميات عدن الشرقية والغربية مع فارق ضم عدن الى المحميات الغربية بينما يأخد التقسيم في شمال اليمن الى اربعة اقاليم بعد طائفي وقبلي وملكي

في الاقليم الشرقي للجنوب ثلاث محافظات المهرة والتي لاتريد الانظامام الى حضرموت وحضرموت التي لاتريد الانظمام الى شبوة وانتهو جميعا في اقليم مرشح للتفكك.

وفي اقليم الجنوب الاخر اقليم عدن، لحج وابين ونزاع حول السيطرة على عدن ويشكو الاقليمين في الجنوب من انعدام الثقة بين جميع الفصائل المدعيه للزعامه من جهة وايضا مع الحكومة المركزية من جهة اخرى. اما في شمال اليمن أقليم الجند في وسط البلاد تتعالى فيه الاصوات المنادية بالانفصال عن اليمن او الوصول الى الحكم الذاتي المطلق كحل ادنى بينما يشكوا اقليم سباء في شرق الشمال من الاهمال منذ قيام ثورة 26 سبتمبر وتنهشه الصراعات القبلية.

اما اقليم تهامة فان الفقر والفساد والبطش والعبودية اصبحت سمات دفعت بابناء الاقليم الى طلب فصل محافظاتهم اثناء الحوار الوطني علنية وامام الملايين على شاشات التلفاز.

وفي اقليم ازال تشكل حركة انصار الله دولة داخل الدولة استطاعت فرض النظام والأمن والقانون في مناطقها خصوصا في صعدة لكن رؤيتهم الاقتصادية لاتزال كارثية ولايزال الأقليم يشهد معارك يومية بين انصار الله والاخوان المسلمون لحسم السيطرة عليه

قبل الانتخابات.

يكتب دانفورث قائلا: كانت هناك سابقة تاريخية لافتة للنظر تخص المنطقة التي تقول داعش إنها سيطرت عليها مؤخرا تتمثل في التقسيم القديم بين الأجزاء من الشرق الأوسط المأهولة والأجزاء التي يجوبها البدو الرحل وثمةخريطة عثمانية مدهشة ترجع إلى فترة الحرب العالمية الأولى تصف سكان المنطقة الفلاحية الغربية التي تضم كل المدن الكبرى السورية ب السوريين، بينما أولئك الذين يعيشون في الجهة الشرقية في الصحراء يطلق عليهم تسمية العرب.

ونفس التقسيم تبينه النصوص الجغرافية البريطانية من الفترة نفسها حيث يتم الحديث عن “العثمانيين المستقرين” و”العرب الرحل” الذين كانون يعيشون في المساحة غير المأهولة بين العراق وسوريا.

ومن ثم لم تكن المنطقة الفاصلة بين العراق وسوريا ذات أهمية كبرى لمهندسي نظام سايكس-بيكو وخاصة الجزء من الصحراء

جنوب هذه المنطقة حيث كان رسامو الخرائط العثمانيين والغرب يتركونها فارغة، ولم تعبأ القوى الأوروبية برسم الحدود بين العراق وسوريا إلا بعد عقد من الزمن حيث كلفوا لجنة من عصبة الأمم بالمهمة.

وحتى بعد وضع علامات الحدودية لم تهتم بها القبائل المتواجدة هناك إذ واصلوا نشاط الرعي وسقي المواشي عبر الحدود كما كانوا من قبل. وباختصار لقد نجحت داعش إلى حد الآن، ليس عبر إعادة صياغة نظام الدولة، لكن عبر التحرك (مثل مجموعات محاربة سبقتها) في مناطق غير مسيرة توجد بين دول قائمة.

* خريطة الشرق الأ وسط الجديدة سايكس بيكو 2

وتعود بداية ظهور مصطلح ”الشرق الأوسط الجديد” إلى يونيو 2006 ، وقد جاء على لسان وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس، تم استبداله بتسمية “الشرق الأوسط الكبير “أما عرّاب هذا المشروع فيشير الخبراء والدراسات، الى المؤرخ والباحث الأميركي البريطاني برنارد لويس، الذي وصف ب”مهندس سايكس-بيكو 2”. وتتفق الدراسات على أن لويس يعدّ صاحب أول مخطط مكتوب ومدعم بالخرائط لتقسيم المنطقة. ووضع لويس هذه الخطّة سنة 1980 .

وبينما كان العراق يكافح من أجل الخروج من حربه الأهلية الكارثية، كان المراقبون الأميركيون يعددون الاخفاقات الكثيرة لمعاهدة سايكس بيكو التي بني عليها نظام الدولة في الشرق الأوسط ومن بين الوثائق التي تحدّثت عن هذا المشروع الجديد/القديم خارطة، يعود تاريخها إلى سنة 2006 ، نشرت في “مجلة القوات المسلحة” الأميركية، تحت عنوان “حدود الدّم – نحو نظرة أفضل للشرق الأوسط”، وضعها الكاتب رالف بيترز، وهو جنرال أميركي متقاعد شغل منصب نائب رئيس هيئة الأركان للاستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع الأميركية.

ورغم أن هذه الخارطة لا تعكس الموقف الأميركي الرسمي، ولم يقم “البنتاغون بتأكيدها، إلا أنه أيضا لم يقم بنفيها، الأمر الذي اعتبره مراقبون، خطة أميركية تهدف لجس نبض الرأي العام العالمي وإعداده ببطء لتقبّل والتغيرات في الشرق الأوسط، وتخفيف وقع النتائج الكارثية لهذا المشروع الجديد.

*حدود طائفية وقبلية وعرقية للتخلص من الحدود السابقة

تتضمّن هذه الخارطة تقسيم دول مثل تركيا وسوريا والعراق على أسس طائفية وقبلية وديني. وأيضا ترسم الخارطة ملامح دول جديدة، من بينها “دولة عربية شيعية” على أراض غنية بالنفط – ستشمل جنوب العراق والأجزاء الجنوبية الغربية من إيران (الأحواز) – و”دولة كردستان الحرة” على أراض من تركيا وسوريا والعراق وإيران وتكون هذه الدويلات الحديثة تابعة للولايات المتحدة.

وكتب بيترز معلقا على هذه الخارطة قائلا إن الحدود الأكثر اعتباطية ومشوهة في العالم توجد في أفريقيا والشرق الأوسط الحدود الأكثر

اعتباطية والأكثر تشوها في العالم توجد في إفريقيا والشرق الأوسط. وهذه الحدود رسمتها المصالح الخاصة للأوروبيين (الذين كانت لديهم اضطرابات كافية لتحديد حدودهم) ولكن الحدود غير العادلة في الشرق الأوسط – والاستعارة هنا من تشرشل – تولد مشاكل أكبر من أن تُحَلَّ محليا.

وحتى أولئك الذين لا يستسيغون فكرة تعديل الحدود سوف يستفيدون جيدا من هذا التحول، وعليهم أن يتذكروا أن الحدود ظلت تتغير عبر القرون لم تكن ثابتة أبدا والعديد من الحدود من الكونغو وحتى كوسوفو و القوقاز تتغير حتى الآن.

بعض ما جاء في مشروع برنارد لويس، ثم في خارطة بيترز رالف ونيويورك تايمز”، وغيرها من المصادر، تبدو ملامحه ظاهرة على الأرض اليوم، فالسودان تمّ تقسيمه فعليا، وفوضى الدم انتشرت في العراق وسوريا؛ أما اليمن، البلد العربي الأكثر فقرا، والأبرز استراتيجيا، فتهدّده أيضا ملامح التقسيم مرّة أخرى.

وذات التفاصيل ووفق ما جاء في الوثيقة سيتم تقسيم بعض الدول العربية في الشرق الأوسط إلى عدة دول عن طريق تأجيج الخلافات القبلية والتحديات الاقتصادية والانقسام بين السنة والشيعة.

وقالت روبن رايت، الباحثة الأميركية المختصة في شؤون الشرق الأوسط، في تحليلها لما جاء في خارطة “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” أنه سوف تنشأ دولة الأكراد شمال العراق، ولم تستبعد نشأة دولة علوية على نفس منوال “كردستان”، وتخيلت في مقالها المنشور في “نيويورك تايمز” أنه سيتم تدمج المناطق السنية في العراق وسوريا بدولة واحدة.

وفي جنوب العراق تنشأ دولة شيعية، فيما تنشأ دولة جديدة غرب جنوب سوريا تسمى “جبل الدروز”.

إن التخلص من الحدود التي رسمها الأوروبيون منذ القرن التاسع عشر، لن يتم على الارجح على أسس طائفية، ربما بالاعتماد على خليط من التقسيمات الاثنية والطائفية و إعادة بروز جغرافيا ما قبل الامبريالية. لكن التطورات الأخيرة تفيد بأن الأشياء إذا تغيرت بصفة جذرية، فإن القوة والصدفة هما اللتان تلعبان دورا أكبر في تحديد ماذا سيحدث لاحقا في مجال الديمغرافيا والجغرافيا والتاريخ.

أما الطريق المؤدية إلى التقسيم الجديد، من وجهة نظر الجنرال الأميركي رالف بيترز، فلن يكون إلا “عبر حمامات الدم التي لا مفر منها لتنشأ حدودا طبيعية جديدة (...) ومن أجل الوصول إلى أنابيب النفط في منطقة شاء لها القدر محاربة نفسها”.

المواطن في الدول العربية طور اليات للتعامل مع أوضاعه المتغيرة على مدى قرون من الزمان فتجده يلجاء للدولة واذا سقطت يتحول تلقائيا الى القبيلة ثم الى الانتماء الديني ورئينا هذه الالية تعمل بكفاءة في السنوات الأربع الماضية ففي ليبيا على سبيل المثال نشهد اليوم تقسيم الى ثلاث مناطق تعيدنا الى ما قبل حدود الدولة الليبية الحالية.

وإذا ماأردنا التنبؤ بمصير الدول العربية ما علينا سوى النظر الى خريطة هذه الدول ما قبل 1915 لنعرف على وجه التحديد مستقبل هذه الدول التي باتت تتفتت نحو الخطوط العرقية والمذهبية السبقة لها.